الخط الأخضر الخط الأخضر
 
اخبار بيئية آراء ومقالات البيئة والسياسة البيئة والإقتصاد البيئة والقانون ابحاث ودراسات منوعات بيئية كوارث طب وعلوم
 
آراء ومقالات
تصغير الخط تكبير الخط
تلوّث المياه أخطر من تغيّر المناخ
بقلم : بيتر برابيل ليتماث
23/3/2015 03:59 PM
أصدر منتدى الاقتصاد العالمي، في الآونة الأخيرة تقريره السنوي العاشر عن "المخاطر العالمية" . وللمرة الأولى خلال السنوات العشر من عمر التقرير، تحتل الصدارةَ قضيةٌ غير مالية، هي قضية المياه.

ومن المؤسف أن المياه في جميع أنحاء العالم، تحظى بأهمية متدنية في جدول الأعمال العام . فالتغير المناخي، أصبح قضية كبرى، يروج لها علماء حائزون جائزة نوبل، وناشطون بيئيون، وعلماء مناخ، ومنظمات غير حكومية، ونجوم ومخرجون سينمائيون في هوليوود .

ولكن قضايا المياه لا تحظى بمثل هذا الدعم . ومع ذلك، فإن قضايا المياه على المدى المتوسط خلال السنوات العشر، سيكون لها آثار عكسية ملموسة أكثر من التغير المناخي . ومن هنا، ينبغي الترحيب بتقرير المنتدى الاقتصادي العالمي، لتوفيره دعماً لقضية المياه، هي في أمسّ الحاجة إليه .

ولا يعني ذلك بطبيعة الحال، أن التغير المناخي غير مهم . ولكن، على المدى المتوسط، تحتاج الجهود المبذولة لضمان توافر كمية كافية من المياه ذات النوعية الجيدة، تركيزاً أكبر.

ويضاف إلى ذلك، أن حلّ قضية تغيّر المناخ، يحيط به العديد من الشكوك، أمّا مشكلات المياه، فنحن نعرف كيف نحلها . كما نملك المعرفة، والتكنولوجيا، وأموال الاستثمار اللازمة لحلها . ومع ذلك، يستمر سوء إدارة المياه في جميع أنحاء العالم، ولا توجد بوادر على أن هذا الوضع سوف يتحسّن قريباً .

لقد نمت الحضارات القديمة على ضفاف الأنهار الكبرى مثل نهر السند (أطول نهر في باكستان)، والنيل، ودجلة والفرات، حيثما كانت المياه وفيرة .

والبشر متعلقون عاطفياً بالماء، أكثر من أي مورد آخر كالغذاء أو الطاقة . وقد جعل هذا الارتباطُ العاطفي، إدارة المياه بطريقة فعالة، عملية عسيرة . وعلى مرّ التاريخ، اعتُبِر الحصول على الماء أمراً مفروغاً منه، وكان يُستخدَم أو يُساء استخدامه، وفق ما يراه الناس مناسباً . ولا يزال علينا أن نتقبل أن الماء مورد محدود، يجب علينا إدارته بحكمة.

ومن مظاهر هذا الارتباط العاطفي، أن المياه يجري توفيرها مجاناً، أو بأسعار مدعومة بسخاء في كل مكان تقريباً . وتشكل الزراعة نحو 70% من الاستخدام العالمي للمياه . ومع ذلك، لا يوجد بلدٌ في العالم يتقاضى من المزارعين التكاليف الكاملة لتشغيل مياه الري وصيانتها، ناهيك عن نفقات استثمارها.

وحتى بالنسبة إلى المياه المنزلية، يدفع الناس في عدد قليل جدّاً من المدن تكلفتها الحقيقية . والتسعير المعقول للمياه، سيجعل مرافقها مجدية مالياً، وسيجعل الناس يستخدمونها بفاعلية.

وقد خلق سوء إدارة المياه على مدى عقود، مشاكل هيكلية عديدة . فقد كان بحر الأرال (في كازاخستان وأوزبكستان)، رابع أكبر بحيرة للمياه العذبة في العالم.

ولكن تحويل نهْرَيْ "أمو دَرْيا" (في وسط آسيا عبْر تركمنستان وأوزبكستان)، و"سير دَرْيا" (أطول نهر في وسط آسيا)، اللذين كانا يزوّدانها بفيضٍ دائم من المياه العذبة - لاستخدام مياههما في إنتاج القطن - اختزلها إلى ظلّ باهت لما كانت عليه من قبل . وكانت بحيرة تشاد إحدى أضخم المسطحات المائية في إفريقيا في ستينات القرن الماضي . ولكن استخدام مياهها غير المستدام، قلص مستوى مياهها وحجمها بنسبة غير معقولة، هي 90% .

والصين مثال آخر . ففي خمسينات القرن الماضي، كان فيها 50 ألف نهر، لكل منها منطقة تجميع تفوق مساحتها 100 كيلومتر مربع . وبحلول عام ،2013 هبط هذا العدد إلى 27 ألفاً . وقد اختفت الأنهار بسبب الإفراط في الزراعة والصناعة . وتشير الدلائل إلى أن المسطحات المائية الهندية تواجه مصيراً مماثلاً.

وبات العديد من الأنهار العظيمة الآن، يشبه الجداول الهزيلة عند بلوغها البحر . بما في ذلك نهر كولورادو (جنوب غرب أمريكا الشمالية)، والنيل، ونهر السند (باكستان)، والنهر الأصفر (الصين)، ونهر موراي (جنوب شرق أستراليا) . وقد أشارت اللجنة العالمية للمياه إلى أن أكثر من نصف أنهار العالم مستنفدة على نحوٍ خطر.

والمسطحات المائية بالقرب من جميع المراكز الحضرية في العالم النامي ملوثة على نحو خطر . والأدلة على ذلك ليست قليلة . في عام ،2011 أعلِن أن المياه من أكثر من نصف البحيرات والأنهار الكبرى في الصين، غير صالحة للاستهلاك الآدمي . وأن أكثر من نصف المياه الجوفية في شمالي الصين ملوثة إلى درجة غير صالحة للاستحمام، ناهيك عن الشرب.

وذكرت الحكومة الهندية عام ،2013 أن نحو نصف أنهار البلاد البالغ عددها 445 نهراً، شديدة التلوث العضوي، إلى درجة لا تسمح بشرب مياهها.

وإذا أخذنا الملوثات الأخرى بعين الاعتبار، مثل المواد الكيماوية السامة والمعادن الثقيلة، فإن الأغلبية الساحقة من مصادر المياه لا تعود صالحة للاستخدام من دون معالجة غالية الثمن.

والتكاليف الاقتصادية والاجتماعية والصحية والبيئية لمثل هذا التلوث الشديد، تتزايد باطراد . وفي بعض الدول، تبلغ التكاليف الحقيقية لسوء إدارة المياه ما يقارب 5% من الناتج المحلي الإجمالي.

وإذا استمرت الاتجاهات الحالية، فسوف يزداد الوضع سوءاً . وعلى صعيد الصناعة مثلاً، يَعتبِر نحوُ ثلثيْ الشركات الآن، الماء خطراً كبيراً عليها.

وقد أعلنت شركة التعدين العملاقة "ريو تينتو" (المتعددة الجنسيات)، في إبريل/ نيسان ،2014 أنها سوف تتخلى عن مشروعها في منجم بيبل في الاسكا، بسبب مخاوف متعلقة بالمياه، وتبرعت بحصتها في المشروع، البالغة 19% لجمعيتين خيريتين حكوميّتيْن.

إن ملايين من الناس يموتون كل عام بسبب أمراض مرتبطة بالمياه . ويُسبب الجفاف والفيضانات أضراراً بعشرات المليارات سنوياً .

وقد قدّرت الأمم المتحدة أن موجات الجفاف هي أعلى الكوارث الطبيعية تكلفة في العالم، إذ تسبب أضراراً بقيمة 6- 8 مليارات دولار سنوياً . وفي كل عام، تساهم الفيضانات في الخسائر الكبرى، ومن ضمنها الخسائر في الأرواح . وكل ذلك، يمكن التقليل منه بدرجة كبيرة، باتباع إدارة أفضل للمياه.

وكما قال الشاعر (الانجليزي) الشهير، دبليو . اتش . أودن (1907- 1973)، فإن "ألوفاً من الناس عاشوا من دون حُبّ، ولكن أحداً لم يعِشْ أبداً من دون ماء" .
تصغير الخط تكبير الخط  
 
 
ادخل ايميلك ليصلك جديدنا