ألمانيا والاتفاقية البيئية الجديدة

ألمانيا والاتفاقية البيئية الجديدة


 11/03/2019


بقلم : ليونيد بيرشيدسكي
 بلومبرغ : على الرغم من الجهود الحثيثة لتعزيز مصادر الطاقة المستدامة في ألمانيا، فإن انبعاثات الكربون لم تتراجع في السنوات الأخيرة؛ لأن البلاد لم تتمكن من تقليل اعتمادها على الفحم. وفي الوقت نفسه، فإن الدعم المتجدد ساعد في رفع فاتورة الطاقة لتجعل منها الأعلى في أوروبا، مما أضر بالمنافسة التجارية وبالمستهلكين على حد سواء.


ورغم صحة الأرقام في هذا الشأن، فإن الصورة أعقد مما تبدو عليه بكثير. ويرجع السبب في ذلك إلى قرار المستشارة أنجيلا ميركل التخلص التدريجي من الطاقة النووية، عقب كارثة مفاعل «فاكوشيما» عام 2011، بالإضافة إلى الاعتبارات الجغرافية السياسية المشحونة التي تحكم إمدادات الغاز الطبيعي.

بالنسبة لألمانيا، جاء ارتفاع الأسعار نعمة لا نقمة؛ لأنه ساعد في تحويل ألمانيا إلى الاقتصاد الأول من حيث كفاءة استهلاك الطاقة، واستمرت كإحدى أكثر الدول تنافسية، ومن ضمن أسباب ذلك أنها تأقلمت مع ارتفاع تكلفة الطاقة.

تتساوى ألمانيا مع إيطاليا باحتلالهما قمة سجل أداء كفاءة الطاقة عالمياً. فالمعيار الذي حدده «المجلس الأميركي لاقتصاد كفاءة الطاقة» – وهي مجموعة ضغط بيئية – يراعي ترتيب الدول وفق استخدام الطاقة وكفاءة السياسة المتبعة. وقد احتلت الولايات المتحدة المركز الحادي عشر من بين 25 دولة، وحلت في الترتيب بعد الصين.

لكن فيما يخص الأرقام المؤكدة، فإن ألمانيا تسبق الولايات المتحدة بفارق كبير.
إن اقتصاد البلاد أكثر كفاءة في استخدام الطاقة، إذ لم تتجاوز كثافة استخدامها للطاقة 65 في المائة، مقارنة بالولايات المتحدة عام 2017. بحسب «سجل إحصائيات الطاقة العالمية»؛ لكن ذلك لا يعادل الفرق بين أسعار الطاقة في الولايات المتحدة وألمانيا؛ حيث ترتفع أسعار الطاقة مرتين ونصف؛ لكن ذلك يضع الأمور في نصابها، ويفسر السبب بأن الولايات المتحدة تنتج انبعاثات ثاني أكسيد الكربون أكثر بواقع 64 في المائة لكل شخص، على الرغم من اعتياد ألمانيا على الفحم.

وبحسب بيانات رسمية صادرة عن الدولتين، فإن العائلات الألمانية تستخدم طاقة أكثر بواقع 73 في المائة لكل قدم مربع في منازلها، مقارنة بنظيراتها في الولايات المتحدة. فإذا كانت فاتورة الكهرباء لديهم مرتفعة، فإن استغناء الاتحاد الأوروبي عن المصابيح المتوهجة ولمبات الهالوجين أمر منطقي. في الولايات المتحدة، على سبيل المثال، كانت 71 في المائة من المنازل لا تزال تستخدم مصابيح متوهجة حتى عام 2015. إن المهمة الضخمة لتحويل جميع المنازل للعمل بكفاءة الطاقة – نعم جميع المنازل – بحسب ما تنص عليه «اتفاقية البيئة الجديدة»، لم تخِف السلطات في أوروبا. ووفق حسابات «وكالة الطاقة الألمانية»، فإنه من أجل جعل المنازل في ألمانيا خالية من الكربون بحلول عام 2050، فإنه يتحتم تجديد 1.4 في المائة من المنازل في ألمانيا كل عام، علماً بأن المعدل الحالي 1 في المائة. ولذلك فإن الهدف هنا يبدو طموحاً، وإن كان بعيد المنال.

إن الشركات التي تولد نسبة 2 في المائة المتبقية من إجمالي الناتج المحلي، تعمل في مجال الطاقة الكثيفة التي تنتج الألومنيوم والحديد والإسمنت والورق وغيرها. وعلينا الاعتراف بأن ألمانيا ليست بالمكان الأمثل لمثل هذه النشاطات؛ لكن ارتفاع أسعار الطاقة لم يمنع المؤسسات من تنمية ميزات تنافسية في أماكن أخرى، خاصة في الصناعات التي تعتمد المنافسة فيها على النوعية وعلى التعقيد، لا على السعر.

وبحسب دراسة صدرت عن «المنتدى الاقتصادي العالمي» نشرت عام 2018، فإن ألمانيا هي ثالث أكبر اقتصاد تنافسي بعد الولايات المتحدة وسنغافورة. بين عامي 2000 و2016، تراجع التوظيف في قطاع الطاقة الألماني بدرجة كبيرة ليصبح 358200 شخص، مقارنة برقم 371200 قبل ذلك. إن بناء مزيد من الصناعات المعقدة يمثل أهمية بالنسبة للجانب الاجتماعي «للاتفاقية البيئية الجديدة» لأنها تخلق وظائف أفضل للعمال أكثر من الصناعات المنتجة للسلع التي لا تنافس سوى في السعر. وتسجل ألمانيا بالفعل أداء أفضل من الولايات المتحدة في نوعية الوظائف وفي مؤشرات الأمان الوظيفي.

في الحقيقة، لا يمكن للجدال المبسط بشأن «الاتفاقية البيئية الجديدة» أن يجرح ولو قشرة الخبرة الألمانية المعقدة.