الإضاءة الليلية تدمر الحياة البرية

الإضاءة الليلية تدمر الحياة البرية


 06/03/2019


تتسارع معدلات المدنية والتحضر على المستوى العالمي، مدن جديدة في كل مكان على كوكب الأرض لكن أكثرها يفتقد إلى معايير الاستدامة البيئية.
البنايات العملاقة تشق السماء وتكاد تبلغ النجوم بأضوائها الصاخبة التي أحالت ليل العواصم الكبرى والمدن المهمة -وحتى الأقل أهمية- نهارا ساطعا يبدو أن صخبه أصبح مزعجا جدا لشركائنا على الكوكب في المحميات البرية.

وعلى مدار مليارات السنين اعتمدت الحياة على الأرض على إيقاع الكوكب الذي يمكن التنبؤ به ليلا ونهارا. واحتفظت الأحياء على الأرض بمعلومات الليل والنهار حتى أصبحت مشفرة في الحمض النووي لجميع النباتات والحيوانات.

وتعتمد النباتات والحيوانات على الدورة اليومية للأرض من الضوء والإيقاع الداكن على مدار اليوم لتنظيم سلوكيات الحفاظ على الحياة مثل التكاثر والتغذية والنوم والحماية من الحيوانات المفترسة، لكن الإنسان عطل هذه الدورة بشكل جذري من خلال إضاءة الليل.

آثار سلبية ومميتة
تشير الأدلة العلمية إلى أن الضوء غير الطبيعي في الليل له آثار سلبية ومميتة على العديد من المخلوقات، بما في ذلك البرمائيات والطيور والثدييات والحشرات والنباتات.

وترصد دراسة حديثة العلاقة المضطربة بين تزايد مستويات التحضر وما تفرزه من تلوث ضوئي أصبح الآن يبلغ مستويات سيئة للغاية لدرجة أن الوهج السماوي البرتقالي الخافت يحجب النجوم في أكثر من ثلثي المحميات الحيوية في العالم، مما يسلط الضوء على كيفية تأثير ذلك على الحياة البرية.

هناك نوعان من التلوث الضوئي، الأول هو السطوع الشديد بالقرب من الأضواء غير الطبيعية مثل أضواء الشوارع التي غالبا ما تجعل المدن مضيئة في الليل بشكل يماثل أشجار عيد الميلاد، وفق الدراسة التي أعدها باحثون في جامعة إكستر البريطانية، ونشرت في دورية "حماية الحيوان".

ولكن بعيدا عن المدن -ورغم أن درجة سطوع ضوئه أقل من صخب أضواء المدن- فلا يزال هناك نوع ثان من التلوث الضوئي، وهو التوهج البرتقالي الناتج عن انعكاس الأضواء الأرضية على صفحة السماء، بالدرجة التي تجعل حوالي ثلث الناس على الأرض لا يستطيعون رؤية نجوم مجرة "درب التبانة" في الليل بسبب ضوئه.

تنام الحيوانات الليلية أثناء النهار وتنشط في الليل، لكن التلوث الضوئي يغير بيئتها الليلية بشكل جذري عن طريق تحويل الليل إلى نهار. إضافة إلى ذلك فإن الطيور التي تهاجر في الليل تعتمد في حركتها على ضوء القمر وضوء النجوم، ويمكن للضوء الاصطناعي أن يجعلها تتحول عن مسارها نحو المدن، ففي كل عام تموت ملايين الطيور بسبب تصادمها مع أبراج مضيئة في المدن.

كما تفقس السلاحف البحرية -التي تعيش بالمحيط- في الليل على الشاطئ، حيث تجد طريقها إلى الشاطئ عن طريق اكتشاف الأفق الساطع فوق المحيط، لكن الأضواء الصناعية ترسم الأفق بعيدا عن المحيط، مما يتسبب بموت الملايين من السلاحف الصغيرة كل عام، وفق "جو جاريت" الباحثة الرئيسية بالدراسة من جامعة إكستر، بتصريحها للجزيرة نت.

نقاط ساخنة
رسم الباحثون في الدراسة مدى اختراق هذه الأضواء للسماء للوصول إلى الملاذات الآمنة للحياة البرية المهددة والمعروفة باسم مناطق التنوع البيولوجي الرئيسية.

وتشير نتائج الدراسة إلى أن حوالي نصف مناطق التنوع البيولوجي تظهر فيها السماء زاهية بشكل صناعي في جميع أنحائها، في حين أن أقل من ثلث مناطق التنوع البيولوجي لم تشهد تلوثا ضوئيا على الإطلاق. وكانت معدلات التلوث الضوئي أعلى بشكل ملحوظ في أوروبا ومنطقة الشرق الأوسط.

كما أوضحت الدراسة أن الكثير من مناطق التنوع البيولوجي تأثرت في المناطق الأكثر ثراء والأكثر اكتظاظا بالسكان.

وتعد النتائج تحذيرا للاقتصادات الناشئة بأن هناك مشكلة قادمة لهذه الأماكن، مشيرة إلى أن الليالي المضيئة تغير دورات حياة الحيوانات وفترات ازدهار النباتات، كما يمكن أن تؤثر على العلاقات بين المفترس والفريسة.

وتقترح الدراسة أن يتم استخدام كمية أقل من الضوء بالمدن القريبة من المحميات البرية. كما يمكن إيقاف أو تخفيض أضواء الشوارع في أحلك ساعات الليل، عندما تقل فرص حدوث الجرائم أو الحوادث، إضافة إلى توجيه الإضاءات بعيدا عن واجهات المباني الشاهقة.