الغابات في أبوظبي.. ضمان البقاء
بقلم : رزان خليفة المبارك
21/2/2017
في إمارة أبوظبي لدينا 242,000 هكتار من الغابات، وهي مساحة تعادل مساحة 26 جزيرة من جزر أبوظبي، والتي تضم ما يقرب من 20 مليون شجرة، 88% منها من الأشجار المحلية. وتحقق هذه الغابات العديد من الفوائد تشمل حماية البنية التحتية الحيوية مثل حماية الطرق من زحف الرمال وتوفير موائل لحوالي 55,000 نوع من الحيوانات مثل الغزلان، وغيرها من ذوات الحوافر، وتحسين جودة الحياة لسكان إمارة أبوظبي.

ومع ذلك، فإن هذه الغابات هي غابات مزروعة، ولا يمكن أن تبقى في ظروفنا المناخية من دون إدارة مستمرة وري منتظم والتي تأتي بتكلفة كبيرة من حيث الطلب على المياه وزيادة الأعباء المالية على الحكومة.

واستدراكاً لهذا الأمر، تقوم هيئة البيئة – أبوظبي بإدارة هذه الغابات منذ 2006 حيث طورت ونفذت نهجاً استراتيجياً لتعزيز الفائدة من هذه الغابات التي تعتبر جزءاً مهماً من إرثنا الثقافي، مع ضمان الجدوى البيئية والمالية على المدى الطويل، وقد حقق تنفيذ هذه الاستراتيجية فوائد جمة. تستهلك الغابات في إمارة أبوظبي نحو 214 مليون متر مكعب من المياه، تشكل المياه الجوفية وحدها نحو 80% من هذه الكمية، وتتوفر النسبة المتبقية من مياه الصرف الصحي المعالجة والمياه المحلاة.

وبما أن المياه الجوفية في إمارة أبوظبي مصدر غير متجدد، أدى استخدامها في ري المزروعات والغابات إلى استخراجها بمعدل يفوق 20 ضعف حجم التغذية الطبيعية السنوية، مما ساهم في نضوب خزانات المياه الجوفية بشكل متسارع. كما أن التحول لاستخدام مصادر بديلة للمياه، ولا سيما المياه المحلاة، جاء مع تحدياته الخاصة من حيث ارتفاع التكلفة وزيادة انبعاثات الغازات الدفيئة وملوثات الهواء الأخرى والمياه المالحة (الرجيع) الناتجة عن عملية تحلية المياه والتي يتم التخلص منها في البحر.

وحتى يتسنى لنا تخفيف الضغط على مواردنا من المياه الجوفية وضمان بقاء الغابات لفترة أطول، ركزت هيئة البيئة – أبوظبي على تقليل كمية المياه المستخدمة في ري الغابات وقد حققت في ذلك نجاحاً كبيراً، حيث تمكنت في يناير 2017 من تقليل استخدام المياه الجوفية في الغابات بمقدار 28% منذ عام 2015. أشارت التقييمات التي أجريت إلى وجود بعض الغابات التي لا تعتبر ذات أهمية بيئية أو ثقافية وينبغي الاستغناء عنها. أما الغابات ذات الأهمية البيئية والثقافية فسيتم تعزيزها، والبحث في إمكانية مساهمتها في إنتاج الغذاء. كما قامت الهيئة بتعديل جداول ووسائل الري، كلما كان ذلك ممكناً، للتركيز على تعزيز كفاءة استخدام المياه بشكل أكبر. وفي إطار سعي الهيئة لتقليل الضغط على المياه الجوفية، تقوم حالياً بري 56 غابة بمياه الصرف المعالجة مما أدى إلى تحسن النمو نتيجة لانخفاض ملوحة المياه وزيادة معدل المغذيات بها.

في حين أن هذه النتائج جيدة، أردنا أن تفعل أكثر من ذلك، ففي عام 2014 قامت الهيئة بتنفيذ برنامج بحثي بالتعاون مع حكومة نيوزيلندا، و«المركز الدولي للزراعة الملحية» لتعزيز المعرفة بشأن احتياجات المياه لنخيل التمر وغيرها من الأشجار المحلية. تشير النتائج الأولية لهذا البرنامج إلى إمكانية توفير المزيد من المياه، فعلى سبيل المثال، هناك اعتقاد شائع أن الأشجار تحتاج إلى المزيد من المياه خلال فصل الصيف، وذلك يؤدي إلى زيادة معدل الري، لكن البحوث أشارت إلى أن بعض الأشجار المحلية مثل الغاف والسدر تفقد أوراقها وتتأثر سلباً مع زيادة الري، هو ما يعني في الواقع أنها تتطلب كميات أقل من المياه.

ونحن الآن في صدد العمل على ترجمة هذه النتائج التي حققناها في مرحلة التجربة والانتقال إلى مرحلة التنفيذ وتعميمها على كافة الغابات. كذلك، ساهمت هذه البحوث في إتاحة الفرصة لاثنين من موظفي الهيئة الإماراتيين للعمل مع فريق دولي، والحصول على شهادة الدكتوراه في هذا المجال، مما يضمن لنا الحصول على المعرفة والخبرة اللازمتين لتنفيذ مخرجات هذه الأبحاث بجهود وطنية.

كما قامت الهيئة، بالإضافة إلى توفير المياه، بتعزيز إدارة الغابات، حيث بدأت بين عامي 2012 و2015 برنامجاً لاستبدال نحو 593 مضخة مياه تعمل بالديزل بأخرى تعمل بالكهرباء، ويعمل عدد قليل من هذه المضخات بالطاقة الشمسية. أدت هذه الخطوات إلى تقليل انبعاثات ثاني أكسيد الكربون بمقدار 10,500 طن سنوياً، وهذا ما يعادل وقف انبعاثات 2200 سيارة سنوياً.

كما قامت الهيئة بمبادرة متميزة أخرى بالتعاون مع شركة أبوظبي لخدمات الصرف الصحي، والمؤسسات الأكاديمية، ومكتب التنظيم والرقابة، تتمثل في استخدام المواد الصلبة العضوية الناتجة عن معالجة الصرف الصحي في تحسين خصائص التربة بالغابات، ويعتبر هذا أحد الحلول الآمنة للتخلص من هذه المواد.

كما تم اتخاذ خطوات لتعزيز حالة الأنواع التي يتم رعايتها في الأسر بالغابات، وتتضمن هذه الخطوات تقليل مخاطر انتشار الأمراض والأوبئة، وتعزيز التنوع البيولوجي لقطعان الحيوانات، كما بدأنا برنامجاً يتضمن أفضل الممارسات في هذا الشأن، مثل توزيع إناث الغزلان على مختلف الغابات، وعزل بعض الغزلان لضبط أعدادها. كما نفذنا التقييم الجيني الأول من نوعه لغزال الريم، والذي سيعزز من إدارة هذا النوع استناداً إلى معرفة علمية دقيقة.

لقد تبنت هيئة البيئة – أبوظبي هذا البرنامج الذي ساهم في تعزيز كفاءة إدارة الغابات، كما حقق نجاحاً ملحوظاً في تقليل التكاليف والمياه المستخدمة في الغابات مع الاستفادة منها على أفضل نحو. ولقد قمنا بتسليم إدارة الغابات لدائرة الشؤون البلدية والنقل لتكملة المسيرة.

وستعمل كلا الجهتين عن كثب لضمان استخدام مخرجات البرنامج البحثي الذي نفذته الهيئة، فيما يتعلق بكمية المياه اللازمة لأنواع الأشجار المختلفة وخطط إدارة الغابات، والاستمرار في التوجه الذي يهدف لتعزيز كفاءة استخدام المياه، وذلك من خلال تنفيذ قانون المياه الجوفية الجديد (القانون رقم 5 لسنة 2016 بشأن تنظيم المياه الجوفية في إمارة أبوظبي)، والذي سيمكن هيئة البيئة – أبوظبي من إصدار تراخيص تحدد كمية المياه الجوفية التي يمكن استخراجها. إن التركيز المستمر على كفاءة استخدام الغابات سيساعدنا في ضمان استمرارية غابتنا على المدى الطويل وضمان الاستخدام الأمثل وبقائها للأجيال القادمة.