"الطاعون".. يهدد أفريقيا مجددا!

"الطاعون".. يهدد أفريقيا مجددا!


 02/11/2015

بقلم : الخط الاخضر


جنيف - وكالات : تواجِه مناطق أفريقيا الريفية عودة ظهور طاعون محقَّق، نادرًا ما ينال اهتمامًا إعلاميًّا، وهو لدغات الأفاعي. فبحلول يونيو من العام المقبل، من المتوقع أن ينفد مخزون مضاد السموم الأكثر فاعلية في مواجهة الأفاعي والحراش (نوع من الأفاعي الأفريقية السامة) والكوبرا، لأن الشركة الوحيدة التي تصنع الدواء قد أوقفت الإنتاج.

وحذَّر متخصصون في مجال الصحة في مؤتمر الطب الاستوائي في بازل بسويسرا من ارتفاع عدد الوفيات بسبب لدغات الأفاعي، إذا لم يتوفر أي بديل ملائم لهذا الدواء المضاد للسموم. وفي هذا الصدد.. يقول جابرييل ألكوبا، وهو مستشار طبي للمنظمة الإنسانية الدولية «أطباء بلا حدود» MSF: « نتعامل هنا مع أزمة صحية مُهمَلَة، قد تتحول إلى مأساة في أفريقيا».

قد يبدو وكأن الأفاعي السامة تشكل تهديدًا قديمًا في عالم سريع التمدن، كالذي نعيش فيه. ورغم ذلك.. تشير التقديرات الحذرة إلى أن لدغات الأفاعي تفتك بأكثر من 100 ألف شخص حول العالم سنويًّا (انظر: «خسائر في الأرواح»)، وهذا العدد يشكل أكثر من متوسط عدد الأرواح الذي تحصده الكوارث الطبيعية. وعادةً ما يعاني الناجون من لدغات الأفاعي من تضرُّر جسدي أو ذهني دائم.

الخسائر في الأرواح: تقديرات ترجيحية لوفيات لدغات الأفاعي

يُعتبر عدد الأشخاص الذين يتعرضون للدغات الأفاعي، أو يموتون جراءها في دول جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، عددًا غير مؤكد، لكن حسب منظمة أطباء بلا حدود، التي تقوم كوادرها الصحية على معالجة لدغات الأفاعي، عبر برامج ميدانية في جمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، فإن حوالي 30 ألف شخص يموتون سنويًّا، وحوالي 8,000 شخص على الأقل ينتهي علاجهم ببتر الأطراف، إلا أن الوفيات من لدغات الأفاعي قد تكون أعلى مما يبيِّنه التقرير السردي، حيث لا تتوفر معطيات موثوقة في بعض الدول، بما فيها جمهورية الكونغو الديموقراطية  ـ وهي موطن عدد ضخم من الأفاعي السامة ـ حسبما يقول ديفيد وارل، وهو متخصص في الطب الاستوائي في جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة.

ولا يقتصر التبليغ المحدود عن الحالات على أفريقيا فقط، فقد استنتج مؤلفو دراسة استطلاعية تمثيلية على المستوى القومي، نُشرت في عام 2011، بخصوص عدد الوفيات بسبب لدغات الأفاعي، أنه رغم توفُّر الترياق، يموت حوالي 46 ألف شخص في الهند كل سنة، بسبب لدغات الأفاعي. (B. Mohapatra et al. PLoS Negl. Trop. Dis 5, e1018; 2011). وقد صدرت تقارير عن مكتب الإحصاء المركزي الهندي، تبيِّن وقوع 1,219 و985 لدغة مميتة في عامي 2009، و2010 على الترتيب. ويعود أحد أسباب هذا التضارب ـ حسب قول وارل، الذي شارك في إعداد الدراسة ـ إلى أن كثيرين من ضحايا لدغات الأفاعي يموتون قبل أن يصلوا إلى المستشفى، أو أنهم يضيِّعون الكثير من الوقت الثمين في التردد على المعالِجين التقليديين، قبل أن يلجأوا لطلب المساعدة الطبية الاعتيادية.

في عام 2010، توقفت شركة أدوية فرنسية، تُسمى «سانوفي باستير» Sanofi Pasteur، من ليون، عن إنتاج لقاح الجسم المضاد «فاڤ- أفريك» Fav-Afrique، وهو لقاح يقلل من كمية السم التي تسري في الدورة الدموية في جسم الملدوغ. ويُصنع اللقاح من بلازما تتم تنقيتها، بعد أن تؤخذ من خيول سبق حقنها بكميات صغيرة من سم الأفاعي، ويبطل اللقاح سم عدد كبير من أكثر الأفاعي الأفريقية خطورة.

وقد أنقذ الترياق الكثير من الأشخاص من لدغات أصناف مميتة من الأفاعي، مثل أفعى السّجّاد (Echis ocellatus) المنتشرة في غرب أفريقيا، وأفعى الحراش السوداء (Dendroaspis polylepis)، الموجودة في منطقة جنوب الصحراء الأفريقية الكبرى، إلا أن التكلفة المرتفعة للقاح ـ (250 – 500) دولار أمريكي للشخص ـ وكذلك النقص في التوريد، يعنيان أن نسبة %10 فحسب من ضحايا لدغات الأفاعي في أفريقيا يحصلون على علاج.

وتقول الشركة إن إنتاج اللقاح لم يعد مربحًا، إذ تسببت منتجات أرخص، تنتجها شركات منافسة، في إخراج شركة «سانوفي باستير» من السوق الأفريقية، حسب قول أليان بيرنال، وهو متحدث باسم الشركة.  ويقول بيرنال إن شركة «سانوفي باستير» تعمل من أجل إتاحة نقل المعرفة للشركات التي ترغب في استلام إنتاج لقاح الجسم المضاد «فاڤ- أفريك».

توجد شركات مستحضرات دوائية في جنوب أفريقيا، والهند، والمكسيك، وكوستاريكا، ضمن الشركات التي تسوِّق منتجات أرخص، بعضها جيد في مكافحة لدغات الأفاعي في الدول الأم لهذه الشركات، إلا أن فاعليتها في مكافحة التنوع الكبير لفصائل الأفاعي في أفريقيا لم تثبت بعد في التجارب الإكلينيكية. وبغرض تسريع العملية، تَعرِض منظمة «أطباء بلا حدود» اثنين من مستشفياتها في جمهورية أفريقيا الوسطى، وجنوب السودان، كمواقع لإجراء الأبحاث، إلا أن التصديق على المنتجات قيد التطوير سيستغرق عامين على الأقل. وإضافة إلى ذلك.. فإنه لا يحظى أي من هذه المنتجات بنجاح واسع، مثل لقاح «فاڤ- أفريك»، حسب قول ألكوبا.

التهديد المُهمَل

على الرغم من أن هذه المسألة أصحبت مهمة مؤخرًا فحسب، إلا أن مشكلة لدغات الأفاعي في أفريقيا آخِذة في الاشتعال منذ سنوات، حسب قول متخصص في الطب الاستوائي، هو ديفيد وارل، من جامعة أكسفورد بالمملكة المتحدة، الذي يقدم الاستشارات لمنظمة الصحة العالمية.

 فالوفيات من جرّاء لدغات الأفاعي آخذة في الارتفاع منذ العقد المنصرم في جمهورية أفريقيا الوسطى، وغانا، وتشاد. ويعود جزء من ذلك إلى الفشل في تدريب عدد كاف من الكوادر الصحية، والتجاهل من جانب وزارات الصحة، وكذلك «التسويق منعدم الضمير» لمضادات السموم غير الملائمة.

ويقول وارل: «تواجِه الدول التي تتنازعها الحروب مشكلات أخرى كثيرة. وبرغم أن ملايين الأطفال والمزارعين الفقراء والرُّحَّل عرضة للدغات الأفاعي، إلا أن هذه المسألة لا تحوز على اهتمام رجال السياسة في عواصم هذه الدول». يضيف وارل قائلًا إن منظمة الصحة العالمية لم تقم إلا بالقليل من المساعدة في هذه المسألة، حيث نشرت الوكالة خطوطًا توجيهية لإنتاج مضادات السموم، بغرض تحسين سلامة وفاعلية استخدام الأجسام المضادة، لكنها لا تدير أي برنامج رسمي لتحسين العلاج عبر تدريب الكوادر الصحية، وتقديم الاستشارات للوزارات، أو تثقيف المجتمعات، كما تفعل حيال 17 مرضًا استوائيًّا مهملًا، بما في ذلك فيروس حمى الضنك، ومرض النوم. ومع ذلك.. يقول وارل إن لدغات الأفاعي تسبب خسائر في الأرواح، أكثر مما تسببه السبعة عشر مرضًا مجتمعة.

يقول وارل أثناء ـ انتظار التجارب الإكلينيكية في الكشف عن بديل للقاح «فاڤ- أفريك» ليُطرح في الأسواق ـ إن مفاتيح الحل لتقليل خطر لدغات الأفاعي تتمثل في التثقيف، والتدابير الوقائية، مثل لبس الأحذية المناسبة، واستخدام الضوء عند العودة مشيًا من الحقول، والنوم على مستوى أعلى من الأرض، تحت شبكة صد البعوض. ويضيف ألكوبا قائلًا إن المجتمع العالمي للصحة بدأ ـ مشكورًا ـ يفهم الضرورة الملحة للوضع، قائلًا: «لقد اعتاد الناس الضحك عندما كنا نتحدث عن لدغات الأفاعي، إلا أن الوضع الآن لم يَعُد مضحكًا».