الخط الأخضر الخط الأخضر
 
اخبار بيئية آراء ومقالات البيئة والسياسة البيئة والإقتصاد البيئة والقانون ابحاث ودراسات منوعات بيئية كوارث طب وعلوم
 
كارثة القرن

خمسون ألف كويتي مهددون بالموت
1073 بئر بترولي دمرت في لحظات
الخبراء قالوا لن تنطفئ الآبار قبل ثلاث سنوات . . . والفريق الكويتي حطم التوقعات وأطفأها في سبعة أشهر

إن الحروب التي اندلعت في أعقاب الحرب العالمية الثانية في مناطق متفرقة من العالم مثل الحرب الكورية في عام 1950 وحرب فيتنام والحروب العربية الإسرائيلية التي استخدمت فيها الأسلحة الفتاكة ضد الإنسان والبيئة على حد سواء قد جعل كثير من الدول تعيد النظر بالاتفاقيات السابقة وقد ظهر مبدأ حماية البيئة بشكل علني من خلال بروتوكول جنيف في عام 1977 الذي أكد مبدأ ضرورة حماية البيئة الطبيعية من الحروب وآثاره.

ومنذ تحرير  الكويت بتاريخ 26 فبراير 1991 توافدت أعداد كبيرة من العلماء والخبراء المختصين بشؤون البيئة وأقيمت الندوات والمؤتمرات والحلقات النقاشية في أكبر مراكز البحوث في العالم في محاولات لإنقاذ البيئة ومعرفة الآثار الآنية والمستقبلية لهذه الكارثة وتحديد نطاقه.

 

وإذا اتفقت جميع الآراء على أن البيئة في منطقة الخليج تعرضت لكارثة بيئية عظيمة فإن الاجتهاد حول حجم الكارثة ومدى تأثيرها على المنطقة والعالم بشكل عام قد تباينت حيث انه من الصعب وباعتراف الخبراء التوصل إلى إجابات وافية لأسئلة كثيرة متعلقة بالكارثة لذا فإنه من الضروري إخضاع المنطقة لمراقبة ومتابعة علماء البيئة لسنين عديدة حتى يتسنى لهم معرفة الأضرار الحقيقية وسبل علاجه. وفي دراسات مبدئية قامت بها الجمعية العلمية الوطنية إحدى الوكالات الفيدرالية الأمريكية المختصة في مايو 1991 وبالاعتماد على القياسات التي أخذت تشير إلى مليون إلى مليوني طن من ثاني أكسيد الكربون كانت تتصاعد من الحرائق يوميا وهذه النسبة تمثل 1% من مجموع ثاني أكسيد الكربون المنبعث في العالم كله. كما أكدت بعض الدراسات في تحليل لمخاطر هذه الكارثة إلى أن 50 ألف شخص في الكويت سوف تكون حياتهم أقصر بطريقة ما في السنوات القادمة بينما سوف تصيب أضعاف اضعافهم  الكثير من الأمراض القاتلة  بسبب الدخان وما يحتويه من غازات وكيماويات سامة مختلفة  يذكر أن الدخان المنطلق من الآبار قد وصل دولا مختلفة من العالم منها دول وسط آسيا.وقد هطلت أمطار سوداء على البحرين والسعودية وقطر وإيران وسلطنة عمان هذا ووصلت الأمطار السوداء المحملة بالنفط والغاز إلى جبال الهمالايا أيضا كما سقطت كميات كبيره جدا من السخام على الكويت لتغطي النباتات والمباني وقد أثرت على الطيور والحيوانات الأخرى إضافة إلى تحويل النهار ليلا عند سكون الرياح مما أدى إلى انخفاض درجات الحرارة إلى أربعة درجات مئوية وقد اثر هذا الانخفاض على الكثير من الكائنات البحرية.

من جرائم صدام البيئية :

في 19/1/1991 قامت القوات العراقية بفتح صمامات النفط الخام على الجزيرة الصناعية لضخ النفط الخام في ميناء الأحمدي ولم يتم اكتشاف ذلك إلا في يوم 25/2/1991 الأمر الذي أدى إلى تسرب كميات كبيرة من النفط بالخليج وقد اضطرت قوات التحالف إلى قصف صمامات الأنابيب التي تزود الجزيرة الصناعية بالنفط الخام لإيقاف نزف البترول في مياه الخليج وأصدرت وزارة الدفاع الأمريكية بيانا بتاريخ 26/1/1991 يؤكد نجاح تلك العملية. 21-22/1/1991 بدأ التفجير المتعمد لآبار النفط الكويتية في حقل الوفرة ومحطات التكرير والتخزين في منطقة الشعيبة وميناء عبدالله . وقد قامت قوات التحالف بأخذ صور جوية لتلك الحرائق بمواقعها وحجمها. كما قامت القوات العراقية بتاريخ 22/1/1991 بتفجير (3) منشآت نفطية كويتية بطريقة متعمدة واكدت ذلك مصادر سعودية رسمية في نفس اليوم عن وجود تسرب نفطي في مياه الخليج من جراء قصف مدفعي على منشآت تخزين نفط كويتية ومحطات تكرير أيضا. وبالرغم من مناشدة دول العالم لذلك النظام بعدم التمادي في عدوانه خاصة بما يعرض البيئة الطبيعية للخطر والدمار الشامل إلا أنه قام بتاريخ 25/1/1991 بجلب عدد (5) ناقلات نفط عراقية من ميناء البكر محملة بالنفط الخام قامت بتفريغ حمولتها قبالة ميناء الاحمدي وفي اليوم نفسه اكتشفت قوات التحالف عن طريق طائرات الاستطلاع أن السفن الخمسة قد أفرغت حمولتها في الخليج حيث شكلت هذه الكمية الأخرى من النفط الذي سربه النظام العراقي نصف الكمية التي تم تسريبها بتاريخ 19/1/1991 منذ إعلانه الحرب على البيئة في المنطقة كما قام النظام العراقي بضخ النفط من ميناء البكر وكذلك من قنوات تم حفرها على الشواطئ لهذه الغاية.

 

استكمال الجريمة :

في ومع بداية شهر فبراير 1991 وإحساس النظام العراقي انه سيدحر من دولة الكويت قام بتكثيف عمليات التفجير لآبار النفط المنتجة والاحتياطية ومراكز التخزين والتكرير بمعدل 100 بئر يوميا إلا أن بعض رؤوس الآبار لم تشتعل بها النيران ، بل كانت تبث النفط في الهواء بمعدل 40.000 برميل يوميا مكونة بحيرات نفطية على الأرض وصل عمقها إلى اكثر من متر وأخذت تتسع تدريجيا لتغطي مساحة قدرت بحوالي 50كم في كل من الحقول الشمالية والجنوبية وكانت نتيجة ذلك العمل الهمجي تعرض 1073 بئر نفطي للتدمير والاحتراق وطبقا للإحصائيات الرسمية فإن 613 بئرا حرقت، 76 انفجرت ولكنها لم تشتعل وبدأت تضخ النفط مشكلة بحيرات نفطية،99 بئر دمرت تدميرا شاملا إضافة إلى 285 بئر مدمر بدرجات متفاوتة في المنطقة المشركة بين الكويت والسعودية وقد قدرت كمية النفط الخام المحترقة بحوالي 6 مليون برميل يوميا.

إطفاء آخر الآبار المحترقة :

حررت الكويت ، ولكنها لم تنجو من الدمار وحرائق الآبار ونظرا لضخامة وكثافة النيران والأدخنة من هذه الحرائق فقد توقع خبراء عالميون أن عملية إطفاء هذه الحرائق ستكون في غضون ثلاثة سنوات ، إلا أن وزارة النفط الكويتية عملت على دراسة إمكانية خفض هذه الفترة وإنهاء الكارثة في فترة قصيرة ولتحقيق هذا الغرض تم زيادة عدد فرق إطفاء حرائق آبار النفط التي وصل عددها إلى 18 فريقا استخدمت احدث الطرق والأساليب كما تم إنشاء فريق وطني كويتي للقيام بالعمل مع الفرق المتخصصة وبدأ العمل الفعلي لإخماد تلك الحرائق في 3 مارس 1991 وتمت السيطرة على أول بئر محترقة وهو ( حقل الاحمدي بئر رقم 24 ) بتاريخ 29 / 10 /1991 وفي تاريخ 6/11/1991 ومع إصرار الكويت على إنهاء آثار العدوان والبدء في إعادة الإعمار ومن اجل إعادة تأهيل القطاع النفطي ( العصب الاقتصادي ) وإعادته إلى المستوى الذي كان عليه قبل العدوان العراقي  أتم الفريق الكويتي لإطفاء الآبار المحترقة مهمته  في سبعة اشهر محطما كل التوقعات والدراسات التي ادعت أن الآبار لن تطفاء قبل ثلاث سنوات.

يوم اطفاء اخر بئر يوم عالمي للبيئة :

وافقت الجمعية العامة للامم المتحدة على إدارة مشروع القرار الذي تقدمت به الكويت والداعي إلى اعلان السادس من شهر نوفمبر من كل عام يوما دوليا للإحتفال بمنع استخدام البيئة في الحروب والصراعات العسكرية. ويؤكد مشروع القرار ان الضرر الذي يصيب البيئة في اوقات الصراعات المسلحة يتلف النظم البيئية والموارد الطبيعية لفترة طويلة بعد فترة الصراع وغالبا ما يتجاوز حدود الاراضي الوطنية والجيل الحالي. ويطالب المشروع كذلك بضرورة المحافظة على الطبيعة من اجل مستقبل الأجيال المقبلة وتطرق إلى الفقرة الرابعة من المادة التي تنص على ان (( تمتنع جميع الدول الأعضاء في علاقتها الدولية عن التهديدات باستعمال القوة او استعمالها ضد سلامة اية دولة)). وواجهت القيادة الكويتية العاملة في القطاع النفطي قبل واثناء مكافحة الكارثة النفطية الكثير من التحديات الفنية والإدارية الضخمة التي تتطلب حلولا سريعة وعاجلة.

وشكل اشعال آبار النفط في الكويت معلومات وحقائق مذهلة لما تركه النظام العراقي من آثار مازالت موجودة يتذكرها اهل الكويت والدول الصديقة على مر الوقت وقدرت التكلفة الاجمالية لإطفاء الآبار مع المعدات وإصلاح عدة الرصيف الجنوبي وإصلاح مراكز التجميع بحوالي مليار ومئة مليون دولار منها حوالي 600 مليون دولار قيمة المعدات.

وبلغت الخسائر المادية بسبب احتراق ابار النفط ما يقارب 120 مليون برميل يوميا وقدر الخبراء كميات الملوثات التي كانت تتصاعد إلى الجو وتلوث البيئة بحوالي 150 طنا وتخلف وراءها اخطار جسيمة على صحة العامة بصورة لم يسبق لها مثيل في تاريخ البشرية. وذكر تقرير لشركة نفط الكويت ان عدد ابار النفط بعد التحرير كانت 751 بئرا اصاب التدمير منها 603 بئرا محترقة و44 بئرا يتدفق منها البترول و104 آبار مدمرة في حين لم يسلم من التدمير والتخريب إلا 110 آبار.

وأشار التقرير إلى ان الكويت فقدت ما بين 1.5 مليار وملياري برميل من جراء احراق الآبار وهو ما يوازي 2 % من الاحتياطي النفطي.

وكشفت بعض الوثائق العراقية ان رأس النظام العراقي وحرسه الجمهوري هما مدبرا الخطة النارية للتخريب المؤجل إذ تبين من الوثائق ما يلي((تخصيص وتسمية جماعات التخريب الخاصة بآبار النفط ومحطات الكهرباء والماء التي تمت تهيئتها للتخريب المؤجل بحيث تكون كل مجموعة ثابتة في المكان المحدد لها بغرض تفجير هذه الاهداف حال صدور الأمر بذلك)).

وفي ال21 من فبراير العام 1991 بدأت مأساة احتراق النفط في مناطق الانتاج وهي الاحمدي وبرقان والمقوع والمناقيش والوفره وغيرها من المناطق الوفيرة بانتاجها للنفط وقد اخذت حرائق آبار النفط اشكالا متعددة فمنت الآبار ما تم تفجيره ولم يشتعل وهذا النوع شكل خطورة كبيرة حيث كونت كميات النفط المتدفقة منه بحيرات نفطية تعيق عملية المكافحة عدا اثارها الضارة على البيئة والمياه الجوفية. واستخدمت في عمليات الإطفاء معدات وماكينات وعربات بلغ عددها 5800 قطعة وهذا العدد يمثل ثاني اكبر اسطول معدات عربات غير عسكرية في العالم وهو اكبر اسطول تم تجميعه في مكان واحد. وتم تطهير اكثر من 175 كم من الارض من مخلفات الغزو التي لم تنفجر وتفجير اكثر من 20 الف قطعة من المخلفات المتفجرة. وانشئ اكثر من 2000 خط لاسلكي من 50 محطة فاكس و24 شبكة تليفونية تعتمد على القمر الصناعي لدعم عملية الإطفاء وتم تركيب هذا النظام بوقت قياسي. وقال التقرير انه تم اعداد اكثر من 31 مليون وجبة غذائية للعاملين في الاطفاء وبلغ اعلى معدل تقديم الوجبات 26 ألف وجبة في اليوم.

وتم انشاء 361 بحيرة ماء صناعية صغيرة لاستخدامها في اعمال اطفاء حرائق آبار النفط المشتعلة وزاد الامداد بالمياه إلى 25 مليون غالون من الماء يوميا وبلغ اجمالي كمية المياه المستخدمة 11.2 مليار غالون وهذه الكمية الهائلة تكفي لملء بحيرة كبيرة عمقها متران وعرضها كيلومتر واحد وطولها ثلاثة كيلومترات ونصف الكيلو متر وهي كمية كافية لتغطية مساحة دولة الكويت. واشترك اكثر من عشرة الاف شخص في عملية مكافحة الحرائق وهذه التعبئة لم يسبق لها مثيل في التاريخ بالنسبة لأي مشروع. وبدأ العمل بإطفاء الآبار بشركة اميركية واحدة وتوالت الدول مقدمة فرقا للمساعدة حتى بلغ عدد الفرق المشاركة في الاطفاء 27 فرقة من كل من الكويت وكندا وايران وهنغاريا وروسيا وفرنسا وبريطانيا ورومانيا والصين والارجنتين وكان متوسط الاطفاء اليومي ثلاثة آبار واعلى رقم تم تسجيله لعدد الآبار التي اطفئت في يوم واحد 13 بئر.

وكانت اول بئر فعلية تمت السيطرة عليها في 20 مارس 1991 نازفة وليست محترقة اما اول بئر محترقة سيطر عليها فهي بئر (الأحمدي 24) وذلك في تاريخ 29 مارس 1991. واستخدم في اطفاء حرائق الآبار دبابة اميركية من طراز(ام60) اطلقت قذائف على احدى آبار حقل برقان وسقطت جميع القذائف على اهدافها في دقة متناهية. واستخدم الفريق المجري محركات لطائرة (ميغ 21) فوق دبابة من طراز (تي 60) لنفث كمية من المياه تصل إلى 14.8 متر مكعب في الدقيقة الواحدة. وفي التاسع من اغسطس 1991 تم اطفاء آخر بئر مشتعلة في حقل الاحمدي الذي يقع على بعد حوالي 40 كم إلى الجنوب من مدينة الكويت بواسطة فريق من شركة (وايلد ويل كونترول) وتم اطفاء اخر بئر مشتعلة  في حقل المقوع وهو (مقوع-46) بتاريخ 14 اغسطس 1991. وفي14 اغسطس 1991 شارك الفريق الكويتي في العمل في إطفاء الآبار بفريق مكون من 26 عضوا واستطاع اطفاء 41 بئرا من ضمنها بئر (برقان 160) وهو المكان الاكثر انتاجا حيث تقدر كامل طاقة هذا البئر الانتاجية قبل تفجيره بنحو 25500 برميل يوميا وهو اخطر الآبار من حيث قوة لهيبه ودرجة الحرارة العالية المنبعثة منه وبفترة زمنية قياسية تقدر بأربعة ايام فقط استطاع الفريق الكويتي اطفاءه على الرغم من تجنب الفرق الاخرى اطفاءه. وتقدم القطاع النفطي الكويتي ب 14 مطالبة تغطي الدمار الذي احدثه العدوان العراقي انذاك في صناعة النفط الكويتية وبلغ اجمالي قيمة هذه المطالبات نحو 29 مليار دولار. وشمل سمو امير البلاد في السادس من نوفمبر 1991 برعايته اطفاء آخر بئر محترق.

تأثير حرائق الآبار على صحة الإنسان :

شكلت حرائق آبار النفط خطرا للصحة العامة على المديين القصير والبعيد، وكانت الأعراض الرئيسية عند وجود سحب الدخان، تهيج العين، الزيادة في إفرازات الانف، تهيج الصدر، تهيج الحلق والرائحة الكريهة في الهواء. وكان مرضى الربو والأمراض الصدرية الأخرى وربما الأطفال والمسني عرضة لتفاقم حالاتهم نتيجة التلوث الناتج عن حرائق آبار النفط.  ومن اجل متابعة الحالة الصحية لسكان الكويت اجري مسح لتسجيلات زيارات المستشفيات وتبين من خلال تسجيلات مستشفى العدان الذي يخدم المنطقة الساحلية الجنوبية والتي تتركز فيها اغلب آبار البترول أن هناك زيادة في نسبة حوادث أمراض الجهازين التنفسي والهضمي والربو. وبالرغم من أن كافة التقارير تشير أن التأثيرات الفورية قد انتهت لكن يبقى هناك عامل التعرض المستمر لفترة زمنية طويلة لهذه الملوثات وما قد تحدثه في المستقبل من تأثيرات غير واضحة حاليا على الصحة العامة، ولذلك من الواجب أن تقوم الدول المتضررة بمتابعة هذه التأثيرات لفترات زمنية طويلة لتكون من ضمن الدروس المستفادة عن تأثيرات الحروب على الصحة العامة. وتشير بعض التقارير الغربية إلى أن هناك تأثيرات قد تتسبب في ظواهر مرضية قد تسببها هذه الكارثة البيئية لم تعرف حتى الآن.

تصوير: د. عادل اليوسفي

 
 
ادخل ايميلك ليصلك جديدنا