|
النفط يغير مصير بحر قزوين
بحر
قزوين هو أكبر بحر مغلق في العالم ، إلا أنه، نسبيا، لا يحظى بالشهرة.
ولكن حتى المجتمعات القبلية التي تعيش حول هذا البحر بدأت تستشعر
التغيرات التي طرأت على علاقاتهم بالعالم الخارجي وعلى اقتصادهم بسبب
ظهور صناعة استخراج النفط على شواطئه.
ومن
النادر أن ترى طائر النورس في وسط آسيا، لأنها مناطق بعيدة عن البحار
والمحيطات، وإذا كنت في كازاخستان، فانت تقريبا في أبعد نقطة عن
المحيط.
لكنني
هناك في كازاخستان، كنت أجلس في مقهى على شاطئ البحر، أحتسي بيرة مثلجة
وأتناول شرائح السمك، وكان موج البحر الأزرق يتهادى تحت أشعة الشمس
اللامعة وهو يزحف فوق رمال الشاطئ النقية.
وفي
الخلفية كانت هناك ثلاث بواخر في عرض البحر ربما تكون في طريقها إلى
باكو أو أستراخان أو بندر إنزالي على جنوب الساحل الإيراني، ومن فوقها
تحلق طيور النورس.
وقد
يعتريك الإحساس أحيانا وأنت على شواطئ أكاتو أنك في مكان ما على سواحل
أسبانيا، فأشعة الشمس تتخلل النسيم الرقيق، والبحر يبدو دائما في
المشهد بين البيوت التي بنيت من الأحجار الرملية.
لكن
أكاتو تقع على حافة وسط آسيا، أرض الخلاء اللامتناهي، وهي بالتأكيد
أكثر المدن تفردا في وسط آسيا كلها.
أكاتو
بناها السوفييت في ستينات القرن المنصرم، بغرض إنتاج اليورانيوم
والبلوتونيوم للاستخدام العسكري، وكانت مدينة سرية مغلقة وظلت كذلك حتى
انهار الاتحاد السوفييتي.
وعلى
مرتفع يطل على بحر قزوين، ظهرت مدينة بالكامل، مكونة من صفوف متراصة من
المباني ذات الأرقام.
وإذا
كنت مسافرا يقترب من المدينة، ستراها وكأنها السراب يظهر في الفراغ
المحيط من حولها.
ولكن
على الرغم من المشهد الرائع للشمس والبحر، إلا أن تاريخ المدينة النووي
لا زال كامنا فيها، فبعد المدينة يوجد مخزن للنفايات جدير بأن يكون من
مخلفات الإمبراطورية السوفييتية.
وكانت
أكاتو يوما ما تفخر بوجود محطة نووية وبعض مصانع الكيماويات بها، ولكن
هذه المنشآت تقف اليوم حول المدينة شاهدا على تجربة صناعية فاشلة.
فالمحطة
النووية لم تعد تعمل، لكن المياه التي تستهلكها أكاتو تأتي من محطة
تحلية بنيت داخل المحطة النووية.
كما
توقفت المصانع الكيماوية عن العمل، لكن بحيرة المخلفات التي كانت هذه
المصانع تصب فيها مخلفاتها لا زالت موجودة وعامرة بأطنان من المخلفات
السامة.
وإذا
كان سكان أكاتو على دراية بالمخاطر البيئية التي تحيط بمدينتهم، فإن
أغلبهم لا يهتم بهذه المخاطر.
واليوم،
وبعد مرور عقد كامل وأكثر على الانهيار الاقتصادي، أصبح لسكان أكاتو ما
يدعوهم للسعادة، وهو النفط.
فغرب
كازاخستان يسبح على بحيرة من النفط، وفي كاشجان، على ساحل بحر قزوين،
يقع أكبر حقل للنفط اكتشف في السنوات الثلاثين الماضية.
وستصبح
أكاتو مركزا لتنمية صناعة استخراج النفط من سواحل بحر قزوين، بل أنها
أصبحت بالفعل مركزا للنقل والخدمات في المنطقة كلها، فأصبح الميناء
الذي هجره السوفييت على درجة كبيرة من الأهمية، ربما أكثر مما كان.
وتجوب
البواخر بحر قزوين بين أذربيجان وإيران وروسيا، تصدر النفط والصلب،
وتستورد السيارات ومعدات استخراج النفط الثقيلة.
ويأتي
الناس إلى هذا المكان من أوزباكستان وتركمانستان المجاورتين بحثا عن
العمل.
وسكان
أكاتو أصبحوا خليطا غير متجانس من الكازاك والروس والقوقازيين، وإذا
جلست في مقهى لسمعت حوارات تجري بلغات قد لا تسمعها مجتمعة إلا في
واحدة من المقاهي الروسية.
ذهبت
لزيارة بحيرة النفايات السامة مع يوسف الذي ينحدر عن جد نقل قسرا في
عهد ستالين من جبال القوقاز إلى كازاخستان.
وجاء
يوسف من مورمانسك، حيث قضى الخدمة العسكرية، وعن ذلك يقول خلال ابتسامة
كشفت عن أسنان سودها التبغ: "سنتان في البحرية، وسبع في السجن".
وعندما
سألته عن الجريمة التي سجن بسببها قال: "لقد أطلقت الرصاص على قائدي في
البحرية".
وعندما
خرج من السجن، جاء إلى أكاتو لزيارة أحد أصدقائه القدامى، وهنا وجد
زوجة واستقر به المقام.
ثم
ذهبت في سيارة إلى ساحل فورت شيفيتشينكو، وشاهدت الخيل والجمال تتهادى
في السهول أو تقف على جانبي الطريق تحملق في السيارات التي تمرق بسرعة
إلى جوارها.
وتبدو
فورت شيفيتشينكو كالمدينة النائمة، وهي تدعوك إلى الإحساس بأنها نهاية
الأرض.
وقد
كانت يوما ما نقطة الانطلاق لقوافل الإبل المتجهة عبر الصحراء إلى خيفا
على سواحل بحر آرال.
وكان
الشاعر الأوكراني، تاراس شيفيتشينكو، منفيا في هذه المدينة في القرن
التاسع عشر لأنه كتب قصيدة ضد القيصر.
ولا
زال بإمكانك أن تزور السهل الظليل والزنزانة تحت الأرض التي قضى فيها
شيفيتشينكو فترة نفيه يكتب الشعر في قيظ الصيف.
وحتى
في هذا المكان، في آخر العالم، يمكنك الإحساس بالتغيير القادم.
ماتت مهنة صيد الأسماك منذ سنوات، ولكنك ترى ميناء يبني، لا للصيد هذه
المرة، وإنما لخدمة صناعة النفط. ومن على جانب الجرف، حيث كان يوجد حصن
روسي، يمكنك أن تشاهد الساحل، حيث تجمعت سفن البحث عن النفط وقوارب
أخرى. وما وراء ذلك، تشع الشمس فوق بحر قزوين بلونه الأزرق، وأكاد أرى
السائحين في المستقبل يركبون بحر قزوين للسياحة إلى داغستان أو إيران
أو أستراخان. هذا اليوم لا زال بعيدا، لكنني متأكد أنه سيأتي.
المصدر:
بي بي
سي
|