البيئة وصراعات القوى :

 

يستطيع من يتمعن في قراءة تاريخ الحروب والصراعات منذ القدم وحتى عصرنا الحالي، أن يخلص إلى حقيقة هامة، وهي انه في معظم الحروب والنزاعات كانت البيئة الضحية الأولى التي لا يلتفت إليها أي طرف من أطراف الصراع، فبعد سكوت المدافع وتوقف آلة الحرب وعودة العسكر إلى ثكناتهم وإعلان المنتصر أو المنكسر وإسدال الستار على فصل من مسلسل الصراعات الإنسانية التي ليس لها نهاية، يبدأ الإنسان في النظر من حوله ليرى ما تسببه الصراعات وأوهام النصر وأحلام القوة من دمار بيئي. ففي الحربين العالميتين الأولى والثانية أشعلت آبار نفط وأحرقت غابات ودمرت مساحات شاسعة من الأراضي بما عليها من اخضر ويابس لمنع تقدم القوات وإحراز نصر على حساب بيئة مغلوبة على أمرها. وفي الحرب الكورية دمرت الولايات المتحدة الأميركية سدود مياه ضخمة في كوريا الشمالية، كما دمرت الصين أحد سدود المياه العملاقة لمنع القوات اليابانية من التقدم، وضاعت المياه حاملة معها كل ما يعترض طريقها من زرع وضرع وتربة، وفي حرب فيتنام حدث ما يفوق الخيال حيث استغلت القوات الأميركية تفوقها التكنولوجي في إسقاط أمطار صناعية لإحداث سيول جارفة لقتل وتشريد آلاف الفيتناميين وإهدار آلاف الأطنان من التربة الخصبة، وضاعت إلى الأبد، كما ضاع معها أبرياء من الأطفال والنساء والشيوخ.

 

وبعد انتهاء حرب فيتنام ولد حوالي نصف مليون طفل مشوه بسبب غاز الديوكسين المتصاعد أثناء العمليات الحربية واستنشقته الأمهات الحوامل آنذاك. وفي صراعات السلفادور استخدمت قنابل الفوسفور الأبيض واستغل النابلم في حرق الغابات. أما في نزاعات كولومبيا، فكانت هناك أمثلة صارخة على الانتهاكات البيئية حيث دمرت أنابيب النفط وتم سكب ملايين البراميل من النفط الخام في الأنهار وتلوثت مياه الشرب ومياه الري ونفقت الأسماك والأحياء الأخرى واحترقت مساحات كبيرة من الغابات وتلوث الهواء الجوي. وقدرت قيمة النفط المنسكب في أنهار كولومبيا بحوالي 26 مليون دولار أميركي، وحيث إن الأضرار البيئية لا تعترف بالحدود الدولية فقد تسلل التلوث النفطي إلى أنهار فنزويلا حيث تواجه الحكومة هناك صعوبات في آلية التعامل مع التلوث النفطي. وفي حرب الخليج الثانية دمرت القوات العراقية حوالي 750 بئرا نفطية في الكويت، نتجت عنها أضرار بيئية محلية وإقليمية وعالمية، كما أسقطت قوات التحالف الدولي في الأيام الثلاثة والأربعين من الحرب ما لا يقل عن 88 ألف طن ذخائر ومتفجرات، بما في ذلك قنابل يورانيوم. ولكن، وعلى النقيض قد تكون البيئة هي المستفيد الأول من الصراعات والحروب والأمثلة على ذلك كثيرة، ففي الحرب المدنية في نيكاراغوا في الثمانينات توقفت عمليات تقطيع الأخشاب من الغابات وتم تحويل مساحات من أراضي الغابات إلى مناطق زراعية كما توقف الصيد الجائر للأسماك بسبب الخوف من الألغام الشاطئية، مما أتاح الفرصة للنظم البيئية أن تستعيد إمكاناتها كما كان لانتشار الألغام في مساحات من أراضي أميركا الوسطى آثار إيجابية على الموارد الزراعية حيث توقفت الزراعة المكثفة التي ترهق الأرض وتؤدي إلى استنزاف خصوبتها.

 

إن المناطق منزوعة السلاح بين الدول المتحاربة هي أكثر المناطق ازدهارا بالنباتات والحيوانات البرية وأغناها في التنوع البيولوجي، فالشريط منزوع السلاح بين كوريا الشمالية وكوريا الجنوبية الذي يبلغ عرضه حوالي 4 كم يمتاز بغطاء نباتي كثيف وتربة مستقرة وبيئة غنية حيث لا يوجد به أي نوع من أنواع الأنشطة البشرية المدمرة للبيئة مثل الرعي الجائر أو صيد الحيوانات أو الحركة العشوائية للسيارات وينطبق ذلك على المنطقة منزوعة السلاح بين الكويت والعراق، حيث تعتبر هذه المنطقة في الوقت الحالي محمية طبيعية بكل المقاييس، مما ينعكس إيجابا على النوعية البيئية في دولة الكويت.