لاجئون في وطنهم

 

الحروب والنزاعات العرقية والاجتماعية تدفع أيضاً إلى هجرة داخلية، حيث يترك المواطنون قراهم ومدنهم قاصدين أماكن أكثر سلاماً في بلادهم. وتلفت منظمات مختلفة تعنى بشؤون هؤلاء المهجرين إلى أن عددهم يتراوح بين 12 و24 مليوناً في العالم. وقد أدت تحولات سياسية وجغرافية في القرن العشرين إلى هجرات كبرى للاجئين. فتسببت الثورة الروسية عام 1917 بفرار 1,5 مليون روسي معاد للنظام الشيوعي. وترك مليون أرميني تركيا بين 1915 و1923 هرباً من الاضطهاد والمذابح. وبعد قيام جمهورية الصين الشعبية عام 1949 نزح مليونا صيني إلى تايوان وهونغ كونغ وحدث أكبر انتقال سكاني في العالم عام 1947 عندما انتقل 18 مليون شخص من الهندوس الباكستانيين إلى الهند ومن المسلمين الهنود إلى باكستان. وفي ألمانيا نزح 3,7 ملايين مواطن من الأمان الشرقيين إلى ألمانيا الغربية بين عامي 1945 و1961 بعد تشييد جدار برلين.

 

وأدت الأحداث اللبنانية التي بدأت عام 1975 إلى تهجير نحو 850 ألف مواطن من قراهم إلى أماكن أخرى داخل لبنان، هرباً من النزاع الداخلي ومن القصف الإسرائيلي. وقلصت هذه الهجرة المساحات الخضراء، خصوصاً في المدن، حيث قلعت الأشجار لانشاء مبان تستوعب الازدياد السكاني الطارئ. وتركز معظم النازحين في العاصمة بيروت، الضيقة بسكانها أصلاً. فتضاعف الضغط على البنى التحتية والخدمات العامة، وكثرت الانشاءات العشوائية، وازداد تلوث الهواء بفعل مئات ألوف السيارات غير الخاضعة لضوابط. ولاقت الأراضي الزراعية في القرى التي هجرها أهلها مصير اليباس والبوار. وقطعت الأشجار المثمرة والحرجية، وتضررت المشاريع الزراعية بعد أن زرع الاحتلال الإسرائيلي الكثير من الأراضي بالألغام.

 

وبعد انتهاء النزاعات الداخلية وتحرير الأراضي من الاحتلال، استحدثت الحكومة اللبنانية وزارة لشؤون المهجرين وصندوقاً خاصاً لتمويل مشاريع العودة. وتسعى هذه الوزارة من خلال برامجها إلى تأهيل قطاع الزراعة، الذي هو مصدر الدخل التقليدي لأهل القرى في لبنان. وللغاية نفسها تأسس برنامج "عائدون" التابع للأمم المتحدة في العام 1994، بالتعاون مع وزارة شؤون المهجرين وبرنامج الأمم المتحدة الإنمائي ومنظمة اليونسكو، للمساعدة في تلبية الحاجات الملحة لدعم خطة العودة.

 

تختلف المشاريع الإنمائية الهادفة الى الحد من التدهور البيئي الذي يحدثه اللاجئون، والى ضمان صحتهم في آن، باختلاف الأوضاع الاجتماعية والثقافية والبيئية للدول المضيفة. ويسعى معظمها إلى إشراك المجتمع المحلي والمنظمات الأهلية في برامج التشجير والزراعة والحفاظ على الموارد المائية وإدارة المياه المبتذلة. وتركز مفوضية الأمم المتحدة لشؤون اللاجئين على الدور البارز الذي تلعبه المرأة في إنجاح برامج التنمية والإدارة البيئية، باعتبارها المستخدم الأساسي لمصادر الثروة الطبيعية مثل الأخشاب والمياه لتأمين المأكل والمشرب للعائلة. وتحمل منظمات دولية، بالتعاون مع هيئات أهلية في مخيمات اللاجئين، على إعادة الحياة الطبيعية إلى الغابات والتربة المهددة بالزوال. وذلك من خلال برامج توعية تعزز التقاليد المتعلقة بمحرمات مثل الصيد العشوائي وقطع الأشجار ودخول الغابات، وحملات ترشيد لاستهلاك المياه. وتحرض برامج مدروسة على اختيار مواقع لإنشاء المخيمات بعيدة عن المساحات الطبيعية الهشة، واتخاذ اجراءات للحد من تأثيراتها السلبية.

 

وتحاول "الأونروا" في مخيمات اللاجئين الفلسطينيين، على سبيل المثال، تطبيق اجراءات بديهية للحد من المشكلات البيئية ضمن إمكاناتها المتوافرة، كتأمين آلية لنقل النفايات إلى المكبات مما يفسح في المجال لتكليف عمال ينظفون الساحات العامة والأزقة. وتسعى اللجان الشعبية إلى تنظيم حملات توعية للسكان على أهمية الحفاظ على النظافة والسلامة العامة، والقيام بأعمال تطوعية يشارك فيها الأهالي والمدارس والمؤسسات والمركز الاجتماعية. ان مصلحة اللاجئين والسكان الأصليين مرتبطة ارتباطاً وثيقاً بسلامة بيئتهم. وحري بالمنظمات العاملة على مساعدة اللاجئين تكريس برامج متكاملة توفر للاجئين مقومات العيش بسلام مع محيطهم الطبيعي كي لا يدمروه. 

 

يوم في حياة لاجئة صغيرة :

تمضي سحابة يومها تجمع الحطب وتجلب الماء وترعى أسرة من خمسة أفراد. فيندا، ابنة الأربعة عشر ربيعاً، تحمل وعاء تستعيره من جارتها، وتمشي خمسة كيلومترات يومياً لتجلب الماء لأخوتها الثلاثة الصغار وجديها. فهذه المجموعة تغسل وتطهو الطعام بدلو ماء. تنهض فيندا في الخامسة صباحاً، فتجوب منطقة ضمن مسافة عشرة كيلومترات من كوخها لتجمع حزمة من الحطب تزن 10 كيلوغرامات، أحياناً بمساعدة أخيها الذي يبلغ العاشرة من العمر. وفي أثناء ذلك عليها أن تتوخى الحذر من الاغتصاب. واضافة إلى تأمين الحطب والماء، على فيندا أيضاً أن توفر الغذاء لأفراد أسرتها الخمس. فكلهم لاجئون هربوا من وحشية الحرب الأهلية في سيراليون ويعيشون في مخيم في غينيا المجاورة. ويحز في النفس أن فتاة بهذا العمر فرض عليها البحث يومياً عن ضرورات الحياة: قليل من الماء، وبضعة عيدان من الحطب، وحفنة من الأرز أو القليل من الموز غير الناضج، في حكاية تنسحب على ملايين اللاجئين في أفريقيا.

 

حكاية فيندا مع البؤس بدأت عندما دهم الثوار منزل الأسرة، فقتلت والدتها واختفى والدها، وقد يكون خطف وقتل. وهذا أجبر الباقين على النزوح. وتوفي أخوها الأكبر في المخيم بمرض السل. وكان أخوها الصغير رضيعاً، مما اضطرها إلى تغذيته على الموز الناضج متى وجد أو ما تيسر من أي طعام آخر. ما لم يعد والدها، تقول فيندا أنها ستحاول ايجاد عائلة تتبنى اخوتها، وتنصرف هي إلى تعلم حرفة تعيلها.