|
المحرقة
. .
بيئة العراق في نيران الحــرب
الأمور
لا تزال غائمةً، تماماً كما كانت سماء العراق ملبَّـدة بغبار المعركة
ودخان حرائق آبار النفط والخنادق المملوءة بالزيت الخام المشتعل، التي
أحاطت ببعض أطراف مدينة أبي جعفر المنصور وعاصمة الرشيد. أشعل
العراقيون بأيديهم هذه الحرائق، لتنتج ستائر من الدخان الكثيف حسبوها،
مخطئين، ستعمل على إعاقة تقدم الجيوش الغازية وتضليل القنابل والصواريخ
والتمويه على طياري المقاتلات البريطانية والأميركية.
والغريب أن
يطلع إلينا أحد المحللين في مجلة "نيوساينتيست" البريطانية ليقول إن
هذه الستائر الدخانية كانت السبب في أن تخطئ القذائف أهدافها العسكرية
وتتجه إلى بيوت المدنيين! وهو طبعاً يكذب، إذ يعلم جيداً أن معظم أعمال
القصف كان يتم عبر شبكات متصلة بالأقمار الاصطناعية، التي لا تعوق
عملها ستائر محدودة من الدخان. فتلك المقذوفات الذكية تنطلق مخترقة
السحب والضباب والأمطار، وتعرف أهدافها، فتذهب إليها لتصيبها بدرجة
عالية من الدقة.
ما أصعب الكتابة،
خصوصاً إذا كانت عن شأن كالشأن البيئي، يستحيل تخليصه من بين خيوط
متشابكة وشؤون أخرى معقدة تحتل السطور الأولى في قائمة الأولويات. فلا
أحد يختلف في أن ظروف الحرب تفرض أن تكون الأولوية للمشاكل المتصلة
بالضحايا من البشر، وأولئك الذين فقدوا بيوتهم ومصادر رزقهم، وأصبحوا
مشردين، جوعى، بلا مأوى. العسكريون يشعلون نار الحرب، لكنهم لا يكتوون
بها وحدهم، اذ أن المدنيين مستهدفون، عن قصد أو عن غير قصد. وتقول
الإحصاءات إن أربعة أخماس ضحايا الحروب، منذ الحرب العالمية الثانية،
هم من المدنيين، وغالبيتهم العظمى من الأطفال والنساء.
الحرب
تعني، بالدرجة الأولى، القتل والتشريد، وتعني أيضاً تدميراً للأنظمة
البيئية والموارد الطبيعية الداعمة للحياة. وذلك المعنى الأخير، على
أهميته الكبيرة، يتوارى غالباً خلف فداحة الخسارة في الأرواح وانهيار
الحياة الاجتماعية، الناجمين عن انفجارات الصواريخ والقنابل.
والحقيقة أن
ثمة علاقة غريبة بين البيئة والحرب. فالمدقق في طبيعة النزاعات على
مرِّ العصور يجد أن وراء معظمها دوافع بيئية، ظاهرة أو خفية، غالباً ما
تتمثل في الصراع على الموارد الطبيعية. ثم إنه يجد أن الأنظمة البيئية
هي في الوقت ذاته أولى ضحايا الحروب. وعلى سبيل المثال، كانت الموارد
الطبيعية هي الدافع لاشتعال الحرب الأهلية التي شنتها حركة متمردي
"يونيتا" في أنغولا. صحيح أنها كانت تتشح بالأيديولوجيات، ولكن اتضح
أخيراً أن محركها الحقيقي كان الطمع في مناجم الماس الذي حقق المتمردون
من وراء تجارته ثروة تقدر بأربعة بلاييـن دولار، في الفترة من العام
1995 حتى انتهت الحرب في العام 2002. أما حركة "الخمير الحمر" في
كمبوديا، فكانت تحصل على عائد سنوي قدره 240 مليون دولار من بيع منتجات
الغابات الكمبودية. ولماذا نذهب بعيداً، أليس النفط هو "وقود" هذه
الحرب التي نتحدث عنها الآن؟ ان احتياطات العراق النفطية هي "الكعكة"
الرئيسية على مائدة المتلمظين، الذين جاؤوا ومعهم خطط تستهدف رفع
إنتاجية الآبار العراقية إلى ثلاثة ملايين برميل يومياً بحلول سنة
2005. كما أنهم ينوون المكوث في المنطقة حتى 2012، لأن لديهم خططاً
أخرى لمضاعفة التهام النفط العراقي، ليصل إلى 12 مليون برميل في اليوم
الواحد. وهذا يفسر أنه بينما كان اللصوص ينهبون مستشفيات العراق
ومتاحفه بلا رقيب أو رادع كانت الجيوش تحمي آبار النفط.
إذا اشتعلت الحرب،
كانت البيئة بين ضحاياها. ففي حرب الخليج الثانية عام 1991 دمر
العراقيون نحو 700 بئر نفط كويتية. فتلوثت الأنظمة البيئية في المنطقة
بالزيت والسخام لسنوات طويلة. وانتشرت برك من خام النفط في مساحات
واسعة بلغت 25 في المئة من أراضي الكويت. وحدث أكبر تســرب نفطي بحري
في التاريخ، إذ تلوثت منطقة طولها 560 كيلومتراً من ساحل الخليج العربي
بما يزيد على ثمانية ملايين برميل من خام النفط، أطاحت بالأنظمة البيئة
في منطقة المد والجزر. وتشير الإحصاءات إلى زيادة في الوفيات بين
الكويتيين بنسبة 10% في العام التالي للحرب، نتيجة تلوث هواء المنطقة
بأكثر من أربعة ملايين طن من الدخان السام. وقد خفف من وطأة تلك
الكارثة أن هذه الكمية الضخمة من الملوثات الغازية لم تصادف الظروف
المناخية المحلية التي ترفعها إلى طبقات أعلى في الجــو، فبقيت على
ارتفاع أقل من 5000 متر، وانحصر تأثيرها في منطقة الخليج. ولو أنها
ارتفعت عن ذلك الحـد، لكانـت انتشرت واتسع مجال تأثيرها.
عندما تنتهي الحرب،
يقال إنها وضعت أوزارها، بمعنى أعباءها، أي لم تعد لها أعباء. والحقيقة
أن هذا التعبير البلاغي لم يعد يتناسب مع طبيعة الحروب الحديثة، التي
تستمر أوزارها جاثمة على صدر البيئة زمناً طويلاً. من تلك الأوزار ذلك
الشبح الرهيب الذي تتركه العمليات العسكرية وراءها كامناً تحت سطح
التربة: الألغام. إنها رعب قائم، يدفع الناس إلى هجر أراضٍ منتجة كانوا
يزرعونها ويعيشون عليها، فيندفعون بحثاً عن أراض بديلة، ويتجهون إلى
الغابات يعرُّون مساحات منها لزراعتها، غير مبالين بالتبعات البيئية
المترتبة على هذا التصرف.
ومن الأخطار
البيئية المؤجَّلة أيضاً النفايات العسكرية، وبصفة خاصة مخزون الأسلحة
غير التقليدية التي يعتبر تداولها بغرض تأمينها ونقلها للتخلص منها
عملية محفوفة بالمخاطر. وتعاني الإدارات الأمريكية مشكلة مخزون من
الأسلحة الكيميائية مقداره 30 ألف طن، يحتاج التخلص منه إلى ميزانية
قدرها 12 بليون دولار، بالإضافة إلى مخلفات حربية أخرى متناثرة في
مواقع برية وبحرية.
ويبدو أن المؤسسة
العسكرية الأميركية كانت تحاول أن تجد حلاً لمشكلة المخلفات العسكرية،
فانتهزت فرصة انشغال الإدارة السياسية بمطاردة الإرهاب والإعداد لغزو
العراق، وطلبت لنفسها بعض الاستثناءات التي تعفيها من الالتزام بقوانين
بيئية فيدرالية، بحجة أنها تعطل أعمال تدريب واستعداد الجيش الأميركي
للمهام المكلف بها. والقوانين المطلوب إبعادها عن البنتاغون هي تلك
المتصلة بالمخلفات الخطرة، وتلوث الهواء، وحماية الحيوانات الثديية
البحرية، وصون الأنواع المعرضة لخطر الانقراض.
وقد
أغضب هذا الطلب أنصار البيئة وعلماءها الأميركيين، فقالوا إن وزارة
الدفاع تتخذ الحرب ضد الإرهاب والحرب العراقية ذريعة لاستثناء الجيش من
الامتثال لهذه القوانين، التي شرِّعت لحماية الصحة العامة والبيئة
الأميركية. كما لاحظوا أن الاستثناءات المقترحة لها عواقب وخيمة على
البيئة، والمطالبة بها في هذا التوقيت يظهر عدم مبالاة الإدارة
الأميركية بالصحة العامة وصحة البيئة. ومن المشاركين في الحملة ضد هذه
الاستثناءات مسؤول بيئي كان يعمل في صفوف الجيش مراقباً للموارد
الطبيعية في قاعدة أريزونا الجوية، فُصل من عمله حين اعترض على
انتهاكات بيئية قام بها العسكريون. يقول الرجل إن الجيش يأتي في مقدمة
منتجي الملوثات الخطرة، وهو أكبر ملوث للأمة الأميركية، وقد قام بتلويث
28 ألف موقع في الولايات المتحدة وخارجها. ويضيف أن الجيش يريد أن
يتنصَّل من كلفة أعمال تنظيف المواقع التي يلوثها، ويلقيها على عاتق
الإدارات الحكومية التي تعاني أسوأ أزمة مالية في التاريخ الأميركي.
كما يرى ناشطون بيئيون أميركيون أن الغرض الحقيقي من طلب الاستثناءات
هو إعطاء الجيش الضوء الأخضر للتخلص من مخلفاته الخطيرة، بدفنها أو
إلقائها في المحيط.
واذ تشير الدلائل إلى
أن العراقيين كانوا ينوون تفجير حقول نفط، إذ نقلوا إليها 24 عربة قطار
محملة بمتفجرات البنتولايت، غير أنهم لم يشعلوا إلا عدداً قليلاً من
الآبار. ومن جهة أخرى، كانت قوات التحالف حريصة على تأمين سلامة
المنشآت النفطية في الشمال والجنوب، فمن أجلها جاءت! ولكن قبل انتهاء
الحرب منحت الحكومة الأميركية عقداً بقيمة سبعة بلايين دولار الى شركة
"كيلوغ براون آند روت" المقربة من نائب الرئيس ديك تشيني "لاطفاء حرائق
آبار النفط". فهل كان هناك وسطاء وسماسرة يرغبون بدمار أكبر وخلق طبقة
جديدة من أثرياء الحرب؟ وماذا سيكون مصير عقد إطفاء الحرائق الآن، في
غياب الحرائق؟
كان الجانب الأميركي
أعلن عن استخدام "القوة الساحقة"، في "ضربات استباقية"، ضد الأمم
العدوة ومجموعات الإرهاب. فهل كانت تلك القوة الساحقة هي التي تمثلت في
الأنواع المستحدثة من القنابل والصواريخ التي تساقطت على العراقيين
كالمطر، ولا تزال آثارها تنتظر الدراسة؟ وكم طناً من اليورانيوم
المستنفد تم استخدامه لضرب الآليات والمصفحات العسكرية؟ وكانت أعمال
المسح التي أُجريت بعد حرب 1991، على طول الحدود العراقية الكويتية
وحول البصرة، أكدت وجود نشاط إشعاعي مؤثر في مواقع الدبابات والمركبات
الحربية العراقية المدمَّرة، وفي بعض محطات ضخ النفط التي قُصفت بقذائف
اليورانيوم المستنفد.
ويشير بعض المراقبين
العسكريين إلى أن النتائج التي حققتها قذائف اليورانيوم المستنفد في
حـرب 1991 شجَّعت الأميركيين على تطوير وسائل إطلاقها. وقد زودوا بها
أربعة أسلحة كان لها دورها الحاسم في حرب "تحرير العراق"، وهي: الطائرة
المقاتلة A10،
والمروحية أباتشي، والمروحية كوبرا، والمدرَّعة أبرام
M1A1.
أما القنابل العنقودية فقد تم استخدامها علناً، وأدت الى آلاف الاصابات
بين المدنيين، وما زالت الأجزاء غير المنفجرة منها والمتناثرة عبر
أراضي العراق تشكل تهديداً للمدنيين يوازي خطر الألغام الأرضية. وجدير
بالذكر أن جميع المنظمات الدولية وهيئات حقوق الانسان تدعو الى حظر
القنابل العنقودية وتصنفها، مع قذائف اليورانيوم المستنفد، في خانة
أسلحة الدمار الشامل.
أياً كان الموقف من
هذا الجانب أو ذاك في هذه الحرب، فإن أحداً لا يقبل أن تستخدم أسلحة
قاتلة كهذه تظل تحمل شبح الموت الذي يصيب الأبرياء والغافلين لأجيال
متعاقبة. على أي حال، ها هي الحرب قد خمدت. وإذا استعرضنا الوضع الحالي
للبيئة في العراق، وجدنا الحال – بأي مقياس - لا يسر. فالمورد الطبيعي
الرئيسي، النفط، لا يعلم أحد كيف ستتم إدارته. والأنظمة البيئية في
حالة إنهاك شديد نتيجة إهمال طال، كما في بيئة الأهوار مثلاً. وثمة نقص
حاد في مياه الشرب، فقد تدهورت حالة مرافق الإمداد بالمياه المنقَّاة،
بسبب العقوبات والحظر خلال التسعينات، ونقصت طاقتها الإنتاجية بنسبة 40
في المئة. يضاف إلى ذلك عجز في قدرات الصرف الصحي، إذ يتم صرف المخلفات
البشرية، وحجمها 500 ألف طن يومياً، من دون معالجة، في المسطحات
المائية الطبيعية التي هي المورد الرئيسي لمياه الشرب. ويموت من أطفال
العراق 125 في الألف، وكانت نسبة الوفيات بينهم 65 في الألف قبل 1991
حسب تقديرات اليونيسف. ولا أحد يستطيع أن يقدم صورة لحقيقة التنوع
الأحيائي في الأنظمة البيئية العراقية، فالأبحاث العلمية في هذا المجال
قليلة جداً.
إزاء ذلك، لا نملك إلا
أن ننضم إلى برنامج الأمم المتحدة للبيئة في المطالبة بأن تشتمل برامج
المساعدات الإنسانية على خطط للتقليل من الأخطار البيئية، وإصحاح
الأنظمة والموائل الطبيعية التي دمرتها الحرب، بالتوازي مع الخطط
والأعمال الخاصة بإمدادات المياه والمرافق الصحية وشؤون المشردين
واللاجئين، لأن الإسراع في أعمال إصحاح البيئة يدعم جهود الإغاثة
الإنسانية. وعلى المدى البعيد، يجب دمج الاعتبارات البيئية في أي برامج
مستقبلية لإصلاح ما أفسده الإهمال المزمن والحروب في بيئة العراق. وفي
تصورنا، فإن جدول الأولويات يجب أن يشتمل على دراسات ميدانية لتقدير
حجم التلوث الإشعاعي في المواقع التي قصفت بقذائف اليورانيوم المستنفد،
تمهيداً لعمليات تنظيفهـا. لكننا نشك في أن أحداً سيهتم بمثل هذه
العمليات، وذلك لكلفتها العالية. فحسب التقديرات الأميركية، يتطلَّب
تنظيف مئتي هكتار من مخلفات تلك القذائف ما يزيد على أربعة بلايين
دولار.
المطلوب الآن حرب
وقائية لحماية البيئة. وإلا فكيف يتحقق الاستقرار لمنطقة تلوثت مواردها
المائية وفسد هواؤها وتلطخت يابستها بالمخلفات؟
بقلم :
رجب سعد السيِّد
المصدر : مجلة البيئة
والتنمية العدد (62) |